أسعد وحيد القاسم

86

أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة

وقد اقتفى سيرة الشيخين هذه في منع تدوين الأحاديث وحرقها جمهور المسلمين ولفترة طويلة من الزمن ، حتى جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز وأمر بتدوين السنة النبوية . والحقيقة أن مسألة منع الخليفة عمر من تدوين السنة النبوية أو التحدث بها تعد من أكثر المسائل المستغربة والمثيرة للتساؤلات ، ذلك أنه لا يخفى على أحد أهمية تدوين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك العهد القريب من حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، لأنها ستكون أكثر صدقا " وسلامة من حالة تدوينها في عصور متأخرة ، وقد تناقلتها ألسنة كثيرة على امتداد أجيال عديدة ، لا سيما بعد تلك الحروب الطاحنة بين المسلمين أنفسهم واستشراء العداء بينهم وانتشار ظاهرة الوضع في الأحاديث لمدح فريق وذم آخر ، أو لوضع الفضائل والمبالغة فيها لفريق ، وطمسها والتقليل منها لفريق آخر . وعن أهمية السنة النبوية هذه يقول العلامة الأميني : ( هل خفي على الخليفة أن ظاهر الكتاب لا يغني الأمة عن السنة ، وهي لا تفارقه حتى يردا على النبي الحوض ، وحاجة الأمة إلى السنة ، لا تقل عن حاجتها إلى الكتاب ؟ والكتاب كما قال الأوزاعي ومكحول : هو أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب ) ( 1 ) ذلك أن في السنة ما يوضح متشابه القرآن ويبين مجمله ، ويخصص عامه ، ويقيد مطلقه ، ويوقف أولي الألباب على كنهه ، فبحفظها حفظه ، وبضياعها ضياع لكثير من أحكامه ( 2 ) . اجتهادات الخليفة مقابل نصوص الكتاب والسنة لقد اشتهر الخليفة عمر بكثرة اجتهاده في كثير من الأحكام الثابتة والمؤيدة بنصوص من الكتاب والسنة . وأما إذا كانت تلك النصوص مما

--> ( 1 ) الأميني ، الغدير في الكتاب والسنة والأدب ، ج 6 ص 296 . ( 2 ) عبد الحسين شرف الدين ، النص والاجتهاد ، ص 143 .